ابن أبي جمهور الأحسائي

154

كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال

على كتب السلف ، والبحث عن معاني أقوالهم ، وكيفية تصرفهم في التوصل إلى تلك المطالب ، والوقوف على أدلتهم التي جعلوها سلّما لهم إلى تلك الفتاوى التي أظهروها واستظهروا بها ، تجد بذلك لذّة الوصول إلى مطالبهم ، وتدركها غاية الإدراك ، وتقف على تلك المطالب من أقرب المسائل ، والوقوف على فروع المجتهدين ، وتعريف كيفية مأخذها ، والاطلاع على تفصيل مجملها معين غاية الإعانة . وإياك والتسارع بالفتوى ، أو العمل بالحكم قبل الاستقصاء في النظر والاستيفاء في البحث ، واحذر من التقصير في الاجتهاد غاية الحذر ، فإنّه المزلقة العظمى التي وقع فيها كثير من أهل الاجتهاد ، فحصلوا في اللوم ولم يخلصوا من ورطة الاثم ، فإن الحديث المروي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله بالطريق الصحيح : « ان من اجتهد وأصاب فله حسنتان ، ومن اجتهد وأخطأ فله حسنة » « 1 » مخصوص بمن لم يقصّر في اجتهاده ، بل استقصى فيه منتهى وسعه ، فإن ذلك غاية جهده وأقصى تكليفه ، فلا لوم عليه إذ لم يوفق لتحصيل الحق ، ولا يصح في الحكمة إضاعة كدحه وتعبه ، فلا بدّ من إثابته على تلك المعاناة والكدّ . وأمّا المقصّر في اجتهاده الذي لم يبالغ في البحث ، ولم يستوف النظر بالنسبة إلى وسعه ، ثم يتسارع بالعمل بما أدّاه إليه مبادئ النظر الخالي عن الاستقصاء أو الافتاء به ، ثم يقع في الخطأ فإنه ملوم مأثوم ، لأنه لم يؤد ما وجب عليه على ما شرطه الشارع ، فضاع كده وكدحه ، وباء بالاثم ، وذلك هو الخسران المبين . وأمّا المصيب فقد ساوى غير المقصّر في الكد ، والكدح ، والمعاناة ،

--> ( 1 ) عوالي اللئالي للمؤلف : ج 4 ص 63 ح 16 . وراجع مسند أحمد بن حنبل : ج 4 ص 198 ، ص 204 . ( دار صادر بيروت ) . « وفيه بدل الحسنة الأجر » .